/ الفَائِدَةُ : (152) /
04/12/2025
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مُحِيطَةٌ بظاهر وباطن جميع ما نزل من وحي السَّمآء/ إِنَّ ما ورد في بيانات الوحي ، منها : أَوَّلاً : بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الحاكي لولادة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... ولقد هبط حبيبي جبرئيل في وقت ولادة عَلِيّ ، فقال : يا حبيب اللّٰـه ، العليّ الأَعلىٰ يقرء عَلَيكَ السَّلَام ، ويهنئكَ بولادة أَخيكَ عَلِيّ ، ويقول : هذا أَوآن ظهور نبوَّتكَ ، وإِعلان وحيكَ وكشف رسالتكَ ... فقمتُ مبادراً فوجدتُ فاطمة بنت أَسد أُمّ عَلِيّ وقد جاء لها المخاض(1)... فمددتُ يدي اليمنىٰ نحو أُمّه فإِذا أَنَا بِعَلِيٍّ على يدي ، واضعاً يده اليمنىٰ في أُذنه اليمنىٰ ، وهو يؤذِّن ويُقيم بالحنيفيَّة ، ويشهد بوحدانيَّة اللّٰـه عزَّوجلَّ وبرسالاتي ، ثُمَّ انثنىٰ إِلَيَّ وقال : السَّلَام عليكَ يا رسول اللّٰـه ، ثُمَّ قال لي : يا رسول اللّٰـه ، أَقرء؟ قلت: اِقرء ، فوالَّذي نفس مُحمَّد بيده ، لقد ابتدأ بالصحف الَّتي أَنزلها اللّٰـه (عَزَّ وَجَلَّ) على آدم فقام بها ابنه شيث ، فتلاها مِنْ أَوَّل حرفٍ فيها إِلى آخر حرف فيها ، حتَّىٰ لو حضر شيث لأَقَرَّ له أَنَّه أَحفظ له منه ، ثُمَّ تَلَا صحف نوح ، ثُمَّ صحف إِبراهيم ، ثُمَّ قرأ توراة موسىٰ حتَّىٰ لو حضر موسىٰ لأَقَرَّ له بأَنَّه أحفظ لها منه ، ثُمَّ قرأ زبور داود حتَّىٰ لو حضر داود لأَقَرّ بأَنَّه أحفظ لها منه ، ثُمَّ قرأ إنجيل عيسىٰ حتَّىٰ لو حضر عيسىٰ لأَقر بأَنَّه أَحفظ لها منه ، ثُمَّ قرأ القرآن الَّذي أَنزل اللّٰـه عَلَيَّ مِنْ أَوَّله إلى آخره فوجدته يحفظ كحفظي له السَّاعة من غير أَنْ أَسمع منه آية ؛ ثُمَّ خاطبني وخاطبته بما يُخاطب الأَنبياء الأَوصياء ، ثُمَّ عاد إِلى حال طفوليَّته ، وهكذا أَحد عشر إِماماً من نسله ... »(2). ثانياً : بيان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... سلوني ؛ فإنَّ عندي علم الأَوَّلين والآخرين ، أَمَا واللّٰـه لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لأَفتيتُ أَهل التوراة بتوراتهم حتَّىٰ تنطق التَّوراة فتقول : صدق عَلِيٌّ ما كذب ؛ لقد أفتاكم بما أَنزل اللّٰـه فيَّ . وأفتيتُ أَهل الإِنجيل بإنجيلهم حتَّىٰ ينطق الإِنجيل فيقول : صدق عَلِيٌّ ما كذب ، لقد أَفتاكم بما أَنزل اللّٰـه فيَّ . وَأَفتيتُ أَهل القرآن بقرآنهم حتَّىٰ ينطق القرآن فيقول : صدق عَلِيٌّ ما كذب ، لقد أَفتاكم بما أَنزل اللّٰـه فيَّ ... ولولا آية في كتاب اللّٰـه (عَزَّ وَجَلَّ) لأَخبرتكم بما كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي هذه الآية : [ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ](3) ، ثُمَّ قال : سلوني قبل أَنْ تفقدوني ، فوالَّذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة لو سألتموني عن آيةٍ آية في ليلٍ أُنزلت أَو في نهارٍ أُنزلت ، مكِّيِّها ومدنيِّها ، وسفريِّها وحضريِّها ، ناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وتأويلها وتنزيلها لأَخبرتكم ... » (4). براهينٌ وحيانيَّةٌ مُشِيرةٌ إِلى قوس النزول ؛ فبعد ما كان أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بطبقات حقائقهم الصَّاعدة ـ وتتبعها طبقات حقائق ذواتهم الشِّريفة المتوسطة والنَّازلة ـ : وسائط الفيض الرُّبوبي الحصريَّة ، والوسيلة الإِلٰهيَّة ، والْعِلَل الإِلٰهيَّة الفاعليَّة ، والسَّبيل والسَّبب والباب والحجاب الإِلٰهيّ ، والرباط الإِلٰهيّ الأَدنىٰ والوحيد بين الخالق ـ المُسَمَّىٰ ـ (جلَّ جلاله) وكافَّة العوالم وسائر المخلوقات غير المتناهية ، وبعدما كانت طبقات حقيقة ذات أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّاعدة : رأس هرم تلك الطَّبقات ـ بعد طبقات حقيقة ذات سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ كان ما ينزل من ساحة القدس الإِلٰهيَّة إِلى جملة العوالم وكافَّة المخلوقات من بداية الخلقة إِلى ما لا نهاية من فيض وحي وعلم إِلٰهيّ ومعارف إِلٰهيَّة لا يكون إِلَّا عن طريق طبقات حقيقة ذات أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ باب مدينة العلم والفقه والحكمة ؛ فتكون طبقات حقيقته (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) النَّازلة في النَّشْأة الأَرضيَّة ، تبعاً لطبقاتها الصَّاعدة والمتوسطة مُحيطة وعالمة وعارفة بظاهر وباطن جميع ما نزل من وحي سمآء ساحة القدس الإِلٰهيَّة إِلى كُمَّل المخلوقات من أَنبياء ورسل وغيرهم ، أَكثر من دون قياس من إِحاطتهم وعلمهم ومعرفتهم بما نزل وأُوحي إِليهم ، وبرسالاتهم وكُتُبهم وصحفهم السَّماويَّة. / الإِمام عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَالِمٌ قبل المحو بما سيحدث بعده/ ويَنْبَغِي الْاِلْتِفَات : أَنَّه ليس المراد من بيان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ولولا آية في كتاب اللّٰـه (عَزَّ وَجَلَّ) لأَخبرتكم بما كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي هذه الآية : [ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ]» أَنَّ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لا يعلم قبل المحو بما سيُثبته اللّٰـه ـ المُسَمَّىٰ ـ (عَزَّ وَجَلَّ) بعد المحو، وإِنَّما مراده صلوات اللّٰـه عليه : أَنَّ الحكمة الإِلٰهيَّة اقتضت أَنَّ بعض الأُمور والمعارف والأَحكام الإِلٰهيَّة تجري على هذا النحو ، ولو أَخبرتكم بما سيحصل بعد المحو في مُستقبل الأُمور لبطلت تلك الحكمة الإِلٰهيَّة ، فحفاظاً على تلك الحكمة الإِلٰهيَّة أَنا لا أُخبركم بذلك. والدَّليل : ما تقدَّم من بيانات وحيانيَّة ؛ وأَنَّ طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة انعكست فيها جميع صفات وأَسمآء وشؤون الذات الإِلٰهيَّة الأَزليَّة المُقدَّسة إِلَّا الأُولوهيَّة ؛ لخروجها موضوعاً وتخصُّصاً ، ومن تلك الصِّفات والشؤون الإِلٰهيَّة المُنعكسة في حقائقهم صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم : علمهم بما كان وما سيكون بعد المحو. بل نفس قوله صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ولولا آية في كتاب اللّٰـه عزَّوجلَّ لأَخبرتكم بما كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة » دالٌّ بوضوح على أَنَّ علم ذلك موجود عنده صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، لكن الحكمة الإِلٰهيَّة الكاشف عنها بيان قوله تعالىٰ : [ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ] هي المانعة من إِصحاره (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) بما سيثبته الباري ـ المُسَمَّىٰ ـ تقدَّس ذكره بعد المحو. بل كيف وحقيقة (أُمّ الكتاب) هي أَحد طبقات حقيقته وحقائق سائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة ؛ في عَالَم الأَسمآء والصِّفات الإِلٰهيَّة ؛ عَالَم السرمد والأَزل ، والمُعبَّر عنه في بيانات الوحي ـ كهذا البيان الشَّريف ـ بعنوان : (عنده). فانظر : بيانات الوحي ، منها : 1ـ بيان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... هذا كُلّه لآل مُحمَّد لا يشاركهم فيه مُشارك ... فهم ... أُمّ الكتاب وخاتمته ...»(5). 2ـ بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « ... أَنا أُمّ الكتاب ... »(6). 3ـ بيان زيارته صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... السَّلام على من عنده ... أُمّ الكتاب ... »(7). ودلالة الجميع واضحة. إِذَنْ : المانع ليس هو عدم علمه صلوات اللّٰـه عليه بما سيحدث بعد المحو ، وإِنَّما نفس الحكمة الإِلٰهيَّة الكاشف عنها بيان الآية الكريمة . فتأَمَّل جيِّداً. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) في روضة الواعظين : (وقد جاءها المخاض). (2) بحار الأَنوار ، 35 : 19 ـ 23/ح15. الروضة : 17 ـ 18. روضة الواعظين : 72 ـ 73. الهداية الكبرىٰ : 124 ـ 127/ح3. وبين هذه المصادر إِختلافات ، لكنَّها غير مُخِلِّةٍ بالمعنىٰ. (3) الرعد : 39. (4) بحار الأَنوار ، 10 : 117 ـ 121/ح1. التوحيد : 319 ـ 323. الأَمالي : 205 ـ 208/ المجلس الخامس والخمسون. الاحتجاج : 137. (5) بحار الأَنوار ، 25 : 169 ـ 174/ح38. (6) مشارق أَنوار اليقين : 165 ـ 166. (7) بحار الأَنوار ، 97 : 302. مصباح الزائر : 75 ـ 77. المزار الكبير : 81 ـ 82